الممهدون في طوزخورماتو



 
الرئيسيةالرئيسية  شبكة الممهدونشبكة الممهدون  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  قائمة الاعضاءقائمة الاعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

  الحياة السياسية للسيد الشهيد محمد باقر الصدر من 1958 إلى 1980 ـــ بقلم الدكتور طالب عزيز الحمداني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
هو الحق
عضو جديد
عضو جديد


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 60
تاريخ التسجيل : 24/01/2012

مُساهمةموضوع: الحياة السياسية للسيد الشهيد محمد باقر الصدر من 1958 إلى 1980 ـــ بقلم الدكتور طالب عزيز الحمداني    الخميس يناير 26, 2012 10:46 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
هذا البحث جزء من أطروحة للدكتوراه قدمت في جامعة يوتا في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1991 تحت عنوان:
النظرية السياسية للسيد محمد باقر الصدر
وقد نشر ملخص لسيرة الحياة السياسية (في اللغة الانكليزية ) في
دورية دراسات الشرق الإدنى في عام 1994
الحياة السياسية للإمام الصدر
مقـدمة
من المفارقات المؤلمة أنَّ تبدأ معرفة الغرب بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر في اليوم نفسه الذي أقدم فيه النظام العراقي على إعدامه ألا وهو يوم الثامن من نيسان عام 1980. ولم تتعد حدود معرفتهم به ألا كونه قائداً للحركة الإسلامية في العراق متجاهلين أعماله الفكرية حيث لم تثر عملية استشهاده المأساوية حفيظتهم ضد النظام العراقي. ويعزى ذلك إلى تأييد السيد الصدر العلني لنظام أية الله الخميني في إيران الذي طالما مقتوه.
ومما زاد في عدم اكتراث الغرب تجاه عملية إعدام السيد الصدر هو الاضطراب السياسي الذي أعقب نجاح الثورة الإسلامية في إيران فإسقاط نظام موال للغرب في إيران، بواسطة حركة إسلامية أصيلة، كان يعني صدمة قوية للغرب وتهديدا مباشرا لمصالحه في منطقة الخليج، تلك المنطقة التي تحتوي على خزين ضخم من النفط والتي يعتبرها الغرب من مصالحه الحيوية التي لا تنازع، والذي يبدو أنَّ النظام الجديد في إيران لم يكن فقط عازما على تهديد هذه المصالح وإنما على نشر أفكاره الإسلامية ( الأصولية ) في كل المنطقة.
وقد أحس الغرب والأنظمة الموالية له في منطقة الشرق الأوسط بالخطر إزاء ما أسموه بتصدير الثورة الإسلامية وبدأوا بوضع الخطط لاحتواء هذا الخطر وحبسه ضمن حدوده في إيران. وقد عدَّوا نداءات الإمام الخميني للشعب العراقي بالثورة ضد النظام البعثي العلماني الفاسد والاستفادة من تجربة الشعب الإيراني الثورية، الخطوة الأولى لنشر الإسلام الثوري في المنطقة والتي ستؤدي في النهاية إلى زعزعة هذه الأنظمة وتغيير نظمها السياسية.
وقد عدَّ النظام البعثي في العراق مساندة السـيد الصدر للإمام الخميني ونداءاته، تهديدا مباشرا له وللأمن القومي، وتعامل معه بحزم وشدة حيث اعتقل الإلاف وأعدام المئات بدون محاكمة أو بعد محاكمة صورية في أحسن الأحوال. وقد شخص نظام البعث السيد الصدر كقائد روحي لحركة سياسية إسلامية تتعاظم يوما بعد آخر منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران، وأنَّه رأس الحربة للقوى المعارضة للحكومة. وكما يراه بعضهم فأنَّه خميني المستقبل في العراق. وعليه كانت مخاوف نظام البعث في محلها وكـان على هذا النظام لكي يستمر في الحكم إنَّ يتخلص من هذا التهديد المباشر لوجوده. وكان إعدام الصدر رد فعل طبيعياً لنظام يصارع من أجل البقاء.
وكان نظام البعث في العراق، حاله كحال بقية الأنظمة المتهرئة في منطقة الشرق الأوسط، يعاني من عدة نقاط ضعف وعوامل عدم الاستقرار، ومن ضمن عوامل الأزمة وعدم الاستقرار هذه :
أولاً : كان النظام مرتبطاً فكرياً وعقائدياً بحركة التيار القومي العربي التي كانت في بداية السبعينات تعاني من كساد في سوقها بسبب إفلاسها السياسي اثر الهزيمة المنكرة التي منيت بها أنظمة الحكم القومية سياسياً وعسكرياً أمام إسرائيل في حرب حزيران عام 1967م وبالخصوص نظام جمال عبد الناصر في مصر الذي أحبط آمال الجماهير العربية بوعوده في تحرير فلسطين.[1]
أضافة الى ذلك أجحف دعاة القومية العربية في العراق في معاملتهم تجاه اكبر أقلية غير عربية في العراق إلا وهم الأكراد التي ولّدت بالتالي، استياء وعداوة تجاه نظام الحكم وأفكاره التي كانت السبب الرئيسي في اندلاع الحرب الطويلة بين الأكراد ونظام الحكم في أوائل السبعينات.[2]
ثانياً : تنحصر القيادة السياسية للنظام بعدد قليل من العوائل التي تنتمي إلى الأقلية العربية السنية في العراق[3] والتي بدورها كانت مشغولة في حرب ضروس فيما بينها للسيطرة على القيادة، الأمر الذي أدى إلى انعزالها تماماً ليس عن الأغلبية الشيعية فحسب وإنما عن معظم طائفتهم السنية، وكذلك ولّد استياء بين بقية القوى القومية والعلمانية في البلاد وبالتالي لم ينجحوا في كسب ودّ الشعب بل زادت عزلتهم عنه.
ثالثاً : لكي يستطيع نظام، كهذا البقاء والصمود ضد خصومه السياسيين الذين يتزايدون قوة وعدداً كان عليه إنَّ يتبنى سياسة البطش والإرهاب والسيطرة على الجماهير بواسطة أساليب القسر ودوائر الاستخبارات والأمن التي استعملت أساليب غاية في القسوة لإبقاء النظام مسيطراً على الحياة السياسية في البلاد.
وقد تعرضت خمس القوة العاملة الفعالة في البلد ( ما يقارب 4/3 مليون نسمة ) إلى نوع من التحقيق أو الاعتقال مصحوبا بشكل أو بآخر من أشكال التعذيب أو العنف خلال سنة 1980.[4]
وقد طغت قساوة الكبت السياسي والاضطهاد على سياسات النظام الاقتصادية الطموحة التي نجمت عن زيادة مدخول الواردات من النفط التي ارتفعت في منتصف السبعينيات وأدت إلى تحسن ملحوظ في مستوى معيشة الفرد العراقي.
بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 أصبح الإسلام يمثل بديلاً سياسياً لنظام حزب البعث، أضف إلى ذلك إنَّ مبادئه وتعاليمه لم تكن غريبة عن الجماهير بعكس مبادئ وأفكار البعث المستوردة مثل التأميم والاشتراكية، كما إنَّ هذه المبادئ الإسلامية سبق لها وأنَّ مدت جذورها عبر القرون في قلوب المسلمين، وتطلعاتهم. وعندما برزت الثورة الإسلامية بشعاراتها وتصميم قيادتها على تحرير فلسطين ليس كأرض عربية وإنما كأرضٍ مقدسة للإسلام والمسلمين يجب تحريرها من رجس أيّ محتل كافر استقبلتها الجماهير بقبول كامل، عكس ما كانت تطبل له القوى القومية العربية التي لم تجد آذاناً صاغية لشعاراتها.
وأكثر من ذلك كانت قيادة الثورة الإسلامية في إيران قد عقدت العزم على التخلص من كل مظاهر الهيمنة الأجنبية سواء أكانت شرقية أم غربية تحت شعار " لا شرقية ولا غربية " ذلك الشعار الذي وجد صداه لدى جماهير المنطقة التي عاشت تحت نير الاستعمار الغربي لعقود طويلة، ولا زالت تشهد مظاهر تدخل هذه القوى في شؤونها الداخلية.
وبالنظر لأهمية المنطقة الإستراتيجية، وضخامة مخزونها النفطي، والنزاع مع إسرائيل تحولت المنطقة إلى بؤرة توتر وصراع بين الشرق والغرب، وخضعت دول المنطقة لهذه القوة أو تلك.
وعليه كانت مسائل الاستقلال، والسيادة الوطنية، والتحرر من هيمنة القوى الشرقية، والغربية من الأهداف والمطالب الملحة لكل شعوب المنطقة.
لم تكن الشعارات الإسلامية التي وجدت صداها لدى جماهير المنطقة هي الخطر الذي كان يهدد أنظمة المنطقة، وإنما تلك التنظيمات التي احتضنت تلك الشعارات والمفاهيم. فمنذ مطلع القرن العشرين كانت القوى السياسية الإسلامية وفي جميع أقطار الشرق الأوسط تنشئ لها مؤسسات سياسية، وتطور برامجها لتحقيق هدفها الأساسي المنشود، إلا وهو أقامة دولة تستند على أحكام وتعاليم الإسلام. ويظهر إنَّ تنظيمات كهذه هي التي مهدت الطريق لانتصار الثورة في إيران[5] وكانت الجهاز التنفيذي للإسلام السياسي وذراعه القوي في الساحة. وبناءً على ذلك كان تطبيق ما حدث في إيران في أيّ بلد آخر في المنطقة يبدو عمليا اعتمادا على هذه التنظيمات، وبدا جلياً أنَّ ما كانت قيادة الثورة الإسلامية تدعو له بتصدير الثورة الإسلامية إلى دول المنطقة لا يتعدى إلا تحفيز هذه التنظيمات ومؤازرتها. وهذا ما حدث بالفعل في العراق، فالتنظيمات الإسلامية كانت متواجدة بالفعل هناك قبل مجيء نظام البعث وقبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران وكان السيد محمد باقر الصدر احد المؤسسين الأوائل لحزب إسلامي وسياسي، إلا وهو " حزب الدعوة الإسلامية " وكان مهندساً لنشاطات سياسية ضمن مؤسسة سياسية منظمة ذات برنامج سياسي محدد لتحقيق هدفها في أقامة حكومة إسلامية ليس في العراق فحسب، وإنما في العالم الإسلامي اجمع. ولهذا السبب فمن الضروري إنَّ نسلط الضوء على حياة السيد الصدر منذ البداية وحتى استشهاده رحمه الله.


سطوع نجم الصدر
احدث الانقلاب العسكري العراقي في عام 1958 تحولاً جذرياً في الحياة السياسية العراقية، وأثر في مسيرتها لسنين طويلة قادمة، وتغييره التركيبة الاجتماعية والسياسية للشعب العراقي ككل. في ذلك الانقلاب أزيحت العائلة المالكة التي نصبها الانكليز على الشعب العراقي في عام 1921 من سدة الحكم وصفيت جسدياً بعض رجالات حكومتها وحلت محلها مجموعة من ضباط الجيش الذين قادوا الانقلاب وعلى رأسهم الزعيم عبد الكريم قاسم.
وقد شكل هؤلاء الضباط حكومتهم من شخصيات سياسية معروفة ومتباينة في المشارب والاتجاهات، وقامت في الأشهر الأولى بانجازات أكسبت رئيسها الزعيم قاسم محبة وود الجماهير، ومن هذه المنجزات الانسحاب من حلف بغداد وإغلاق القواعد البريطانية في العراق.[6] وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار مشاعر الكره والاستياء لدى الشعب العراقي تجاه النظام البائد والاستعمار البريطاني، لأدركنا مدى الحب، والتقدير الذي كان يكنّهٌ الشعب نحو الزعيم قاسم ! الذي تحول إلى بطل وطني بين عشية وضحاها.
ورغبة من الزعيم قاسم في الاستحواذ على مقاليد الحكم وتسيير دفة القيادة السياسية حسب مآربه ولزيادة شعبيته استعمل الشيوعيين الذين كانوا من أكثر الأحزاب تنظيما وقتذاك، لتصفية زملائه الضباط في القيادة (الانقلابية) والذين كانوا يناصرون الحركة القومية العربية.
وفي خضم هذه الأحداث وما تبعها من محاولة بعض الضباط القوميين القيام بمحاولة انقلاب ضد الزعيم قاسم دارت معارك في معظم مدن العراق الرئيسة وأهمها الموصل، وكركوك سفكت فيها دماء كثيرة كانت الغلبة فيها للشيوعيين الذين استغلوا تأييد الزعيم قاسم لهم بزيادة رصيدهم الشعبي وتحريك الجماهير وفق مآربهم.[7]
وقد وجدت المؤسسة الدينية الشيعية، التي عرفت بعزوفها عن السياسة طيلة الحقبـة التي أعقبت ثـورة العشرين، أمام تحد سافر من قوًى سياسية ملحدة في المجتمـع[8] لا يمكن للقيادة الدينية إنَّ تتغاضى عن تصرفاتها وتتركها تعبث على هواها، وبعكسه فسوف تنجح هذه القوى في إماتة الروح الدينية لدى أفراد الشعب، وبالفعل فقد دقت بعض المؤشرات نواقيس الخطر على هذه الظاهرة الخطيرة.
أولها : كان إصدار الحكومة قانون الأحوال المدنية ( الشخصية ) الجديد والذي كان بعض بنوده مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية وخصوصاً تلك البنود التي تعالج الإرث وحقوق المرأة، ولم يثر القانون أيّ ردود فعل شعبية ضده مما يؤكد أنَّ عموم الشعب كان يتقبل الموجة العلمانية وحملات مهاجمة الدين والمتدينين التي كان يرعاها النظام، ولم تفلح إدانات العلماء العلنية عن ثني حكومة قاسم عن رأيها ومضت قدما في قانونها المخالف للإسلام.
ثانياً : استمرت الدعاية الشيوعية في هجومها على المؤسسة الدينية واصفة إياها بالرجعية، كما شنت حملتها الإعلامية على الفكر الديني باعتباره عقبة كأداء في طريق النهضة، وتطور الشعوب. وقد وجدت هذه الهجمات الدعائية آذاناً صاغية لها بين الجماهير ووجدت المؤسسة الدينية نفسها عاجزة في وقف تغلغل الشيوعيون في المدن المقدسة كالنجف الأشرف وكربلاء والكاظمية، والأنكى من ذلك إنَّ الشيوعيين قد نجحوا حتى في كسب وتنظيم أبناء عوائل معروفة بتدينها ومحافظتها على التقاليد الدينية. وكان لزاما على المرجعية المتمثلة بالمرجع الأكبر أية الله السيد محسن الحكيم إنَّ يواجه هذا التحدي الذي كان يهدد ليس فقط الشيعة وبقية المسلمين في العراق وإنما الشيعة في كل مكان حيث يعتبر العراق مركزا لمدارس إسلامية رئيسية على مر القرون، ومقر المرجع الأعلى للمسلمين الشيعة وأضرحة الكثير من أئمة المسلمين، وبالأخص أئمة أهل البيت عليهم السلام منهم. حيث تحتضن مدن النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء أضرحة ستة من الأئمة الاثنى عشر للشيعة الأمامية، وأي محاولة لأضعاف الروح الإسلامية في هذا القطر سيضعف الشيعة في كل مكان.
وفي خضم الأحداث المضطربة والعصيبة كانت هناك مجموعتان من العلماء تتقاسم المؤسسة الدينية. الأولى التي تضم علماء الدين التقليديين الذين كانوا لا يحبذون التدخل في السياسة ويفضلون أبقاء الحوزة العلمية بمنأى عن العملية السياسية وتعقيداتها، بينما تدعو الجماعة الأخرى إلى الانخراط في الحياة السياسية مع بقية أفراد الشعب. وقد نظمت هذه المجموعة نفسها تحت اسم "جماعة العلماء" في النجف الأشرف.[9] وقد وضعوا برنامجاً سياسياً للتصدي للنزعة العلمانية المعادية للروح الإسلامية.
كان السيد الصدر عالماً ناشطاً شاباً وقتها ولم يكن يعتبر كعضو مسؤول في الجماعة التي كانت تضم علماء كباراً ومجتهدين معروفين.[10]
ولكن تأثيره على الجماعة تعدى عمره ودرجته العلمية. فقد كان يعتبر عالماً نابغا استطاع أنَّ يحصل على درجة الاجتهاد وهو لا يزال في منتصف العشرينات من عمره، وهو أمر يندر حصوله في الحوزات العلمية. واستطاع تمرير تأثيره هذا على "الجماعة" من خلال دور خاله الشيخ مرتضى آل ياسين الذي كان يحتل مركزاً مرموقاً في الجماعة.[11]
وحسب ما ذكره السيد طالب الرفاعي كان سبب تشكيل هذه الجامعة هو التصدي للمد الشيوعي ودرء خطره عن الإسلام. ومن مناوراتهم السياسية أنَّهم تجنبوا الهجوم على عبد الكريم قاسم لإدراكهم شعبيته الواسعة لدى الجماهير، وعليه فقد اظهروا تضامنهم ومساندتهم مع قاسم في منشوراتهم وإعلاناتهم وحصروا هجومهم على الشيوعيين.
ورداً للجميل سمح لهم النظام بأستعمال الإذاعة الحكومية في أحاديث أسبوعية كان السيد الصدر يشرف على كتابتها ويقرأها السيد هادي الحكيم.[12] وعلى أيّة حال فشهر العسل هذا لم يدم طويلاً فقد تأزمت الأمور ثانية بين المرجعية والزعيم قاسم عندما اصدر المرجع الأعلى السيد محسن الحكيم فتواه المشهورة بتحريم الانتماء إلى الحزب الشيوعي ووصفه الشيوعية بأنها كفر والحاد.
وقد أحرجت هذه الفتوى التحالف القائم بين الزعيم والشيوعيين، مما اضطر الزعيم على أثرها الى فصم علاقته مع الشيوعيين للأبد. وقد حاول الزعيم قاسم إنَّ يقوم بزيارة السيد الحكيم عدة مرات، ولكن الأخير رفض مقابلته إلا بعد إنَّ يلغي الأول قانون الأحوال المدنية (الشخصية) سيء الصيت.[13]
وقد خطت " جماعة العلماء " خطوة أخرى إلى الأمام، عندما حصلت من النظام على رخصة إصدار نشرة شهرية لمدة سنتين باسم " الأضواء"، بهدف الرد على الهجمات الإعلامية ضد الإسلام والمسلمين، والتي كان يقوم بها العلمانيون والمناهضون للدين وأحكامه، وحسب ما أورده السيد طالب الرفاعي كان أية الله السيد الحكيم هو الـذي يحدد دور هذه النشرة، وحيث أنَّه لم يكن مقبولاً وقتها إنَّ يتدخل ( المرجع الأعلى ) في أمور سياسية محضة ويشرف على إصدار مطبوعة سياسية فقد ارتأى إنَّ تضطلع بهذا الدور جماعة العلماء نفسها[14] وقد تحمّلَ السيد الصدر مسؤولية كتابة المقال الافتتاحي فيها.[15]
واستفاد السيد الصدر من هذه الفرصة الثمينة لكي يعرض من خلالها برنامجه السياسي للحركة الإسلامية التي كانت تحبوا ببطء آنذاك. واكتشفت فيها كفاءته ومقدرته على التأثير من خلال الكتابات السياسية.
وخلال تلك الحقبة اصدر دراسته الأولى الموسعة " فلسفتنا " في عام 1959م. وهو كتاب يقدم نقداً معرفياً لمدارس الفكر الشيوعي والمادي،[16] ويبين العيوب والثغرات في القواعد الأساسية للمادية الجدلية. كما تضمن الكتاب دراسة عن أهم المدارس الفلسفية منذ عهد " أفلاطون" وحاول أثبات عدم ترابط المدرسة الفلسفية المادية وافتقارها إلى الدقة في تفسير تطور المعرفة الإنسانية وحقيقة الطبيعة المحيطة بالإنسان وأوضح إنَّ النزعة الحديثة في المدرسة المادية، وهي المادة الجدلية، تعاني من نواقص كثيرة وكبيرة لا تؤهلها لأن تكون الحقيقة النهائية عن الإنسان. وعليه فإنَّ الشيوعية لا يمكن أنَّ تكون حلاً ناجحاً لمشاكل المجتمع عندما تكون فريضتها الأساسية خاطئة.
وكان عمله الكبير الثاني كتابه " اقتصادنا " في عام 1961م وهو محاولة نقدية لنظريتي الاقتصاد الشيوعي والرأسمالي، وتعريف مقارن بالنظرية الإسلامية في الاقتصاد، ويحاول من خلالها التأكيد على إنَّ الإسلام يمتلك الأفكار والأسس التي يمكن بواسطتها معالجة الكثير من المشاكل الاقتصادية في عصرنا الراهن.
احد المآخذ التي يشترك فيها المحدثون والعلمانيون والشيوعيون أنَّ الإسلام لا يملك الحلول الناجحة للمشاكل المتزايدة في عصرنا الراهن، وأنَّه مجرد حزمة من المعتقدات لإنقاذ الفرد من العقاب في يوم الحساب ولا ناقة له ولا جمل في إنقاذ المجتمع في الوقت الحاضر.
وبالعكس من ذلك كان أهم ما بينه السيد الصدر في كتابه إنَّ الإسلام كان مهتماً برفاهية الفرد في حياته.
والحقيقة تقال إنَّ أهم انجاز فكري للسيد الصدر هو تدوينه لقانون اقتصادي إسلامي في الفقه. وفي الواقع لم يسبقه احد في أكمال هذا الانجاز. ويبين في الختام أنَّ الإسلام نظام اقتصادي متكامل يستطيع ومن خلال حكومة إسلامية أو جهاز إسلامي سياسي إنَّ ينظم تنظيماً متكاملاً لحياة الفرد الاقتصادية وأفضل ما يخدم متطلباته الاجتماعية.
وفي الواقع لم تكن محاولات إصدار مجلة "الأضواء" ومساهمات السيد الصدر فيها ونشاطات جماعة العلماء وكتب السيد الصدر الفلسفية والاقتصادية، إلا محاولة لنقل حلبة الصراع مع القوى العلمانية والملحدة من الشعارات وأبواق الدعاية إلى السجال الفكري والفلسفي والعقيدي، كما إنَّ السيد الصدر لم يهدف فقط ومن خلال كتاباته إلى أظهار مثالب ونواقص الأفكار غير الإسلامية ومدارسها الفلسفية، ولكنه اثبت بقوة أنَّ الإسلام كانت لديه الأجوبة الشافية لمشاكل العصر والمجتمع الحديث، وعليه كان الهدف السياسي الذي توخاه السيد الصدر هو لفت أنظار الجماهير وتوعيتها إلى حقيقة لم تكن واضحة في أعينهم، إلا وهي إنَّ الإسلام ليس كما يصوره أعداؤه، فإنَّه قادر على دفع المجتمع إلى الإمام بنزع لباس الجهل والتخلف عنه. وألقى باللائمة لحالة التخلف التي تعيشها المجتمعات الإسلامية على القوى التي نبذت الإسلام وارتمت في أحضان الاستعمار، وعلى فترة السبات الطويلة التي تعيشها الأمة الإسلامية تحت نير الاستعمار.
ولم يكتف السيد الصدر وزملاؤه بالجبهتين الفكرية والإعلامية وإنما فتحوا جبهة ثالثة في طريق مواجهتهم للقوى العلمانية بأنشاء " حزب الدعوة الإسلامية ".[17] وقد ارتأت جماعة من المفكرين الإسلاميين في عام 1957م أنَّه من الضرورة بمكان إنَّ يحشد المسلمون طاقاتهم في منظمة يكون لها صوتها في الحياة السياسية وتؤثر على المستقبل السياسي للعراق ككل.[18] وعلى أيّ حال فالعمل الفعلي للحزب لم يبدأ إلا في عام 1959م وبعد انقلاب 1958م وتأسيس الجمهورية العراقية. كما إنَّ مجريات الأحداث التي أعقبت الثورة قد جعلت من الحزب ضرورة ملحة سواء أكان للعلماء أو لجماهير المسلمين الذين يعيشون الهم السياسي ليستطيعوا من خلاله مواجهة التحديات السياسية التي تعصف بالمجتمع فما دامت القوى العلمانية قد دعمت وجودها الميداني الفاعل في المجتمع بتنظيماتها السياسية فكان لزاماً على النشطاء الإسلاميين، ولكي يكونوا أهلاً لتحدي هؤلاء الخصوم إنَّ يسلكوا مسلكهم وينظموا أنفسهم بتنظيمات مشابهة لتنظيماتهم مهتدين بأقوال الفقيه الإمام السيد عبد الحسين شرف " لا ينتشر الهدى إلا من حيث انتشر الضلال ". وقد عقد الاجتماع الأول للحزب في كربلاء وكان السيد الصدر احد المشاركين فيه. ومنذ ذلك الحين وطبقا لمصادر حزب الدعوة، لعب السيد الصدر دوراً بارزاً ومهماً في صياغة تركيبة الحزب وكتابة منهاجه السياسي.[19] وبعدها أصبح فقيه الحزب وحتى مسألة أطلاق اسم الحزب " الدعوة " كانت من اختياره هو.[20]
كان هدف الحزب هو تنظيم وتعبئة المسلمين الملتزمين في الحزب على أمل السيطرة على مقاليد الحكم وإقامة حكومة إسلامية وكانت الخطة السياسية لتحقيق هذا الهدف تتوزع على أربع مراحل :
1. تثقيف المنتظمين بالحزب بالمبادئ الفكرية.
2. النضال السياسي ضد النظام الجائر في ذلك الوقت.
3. أقامة الحكومة الإسلامية.
4. تطبيق الأحكام الإسلامية وتصدير مفاهيم الثورة الإسلامية إلى بقية أرجاء العالم.[21]
ويعـتقد إنَّ هـذه الخـطة الطموحة كـانت من بنـات أفكار السـيد الصـدر نفسه وقد ارتـأى العمـل بسـريـة تـامـة في المرحـلة الأولى لتحـاشي أية أعمـال قسـرية مـن جـانـب الحكومة، وعليـه فقـد تـم تنـظيم الحـزب بخـلايـا هرمية عنقودية بحيث لا يؤدي اكتشـاف أيّة خلية إلى اكتشـاف خلايـا أخـرى. و أرتوئي كذلك تشكيل فروع للحزب في أقطار إسلامية أخرى غير العراق، وبالفعل تشكلت بعض الفروع للحزب في الخليج، ولبنان، ولكنه لم ينجح في هذا المسعى في إيران. ومع انقضاء عقد الستينات كان السيد الصدر يمثل الأنموذج الأمثل للفكر السياسي الإسلامي، وخاصة للحركة الإسلامية في العالم العربي الشيعي. ويعتبر العلماء المسلمين البارزين أمثال السيد محمد حسين فضل الله والشيخ محمد مهدي شمس الدين في لبنان والشيخ عارف البصري والسيد مهدي الحكيم في العراق والشيخ على الكوراني والشيخ محمد مهدي الآصفي في الكويت والسيد مرتضى العسكري في إيران من ورثة فكر السيد الصدر. وغدت كتبه وبرامجه في العمل السياسي من المصادر المهمة في أدبيات الحركات الإسلامية الأصولية في الشرق الأوسط.
العودة إلى الحوزة
بما إنَّ السيد الصدر كان يُعدَّ من المجتهدين الأساسيين في الحوزة العلمية في النجف مع دراية فائقة في حقلي الفقه وأصوله، فقد نصحه بعض أساتذته بالعدول عن دوره السياسي في حزب الدعوة، وكتاباته في مجلة " الأضواء " لكي يستطيع إنَّ يهيئ نفسه ليكون مرجعا أعلى للشيعة في المستقبل.[22] ويبدو إنَّ الضغط بهذا الخصوص قد انصب عليه من المرجع الراحل السيد محسن الحكيم كما أنَّ أطرافاً عديدة في المجتمع قد وجهت انتقادات كثيرة لدور السيد الصدر السياسي وتورطه بالمنظمات السياسية.
فقد قام أشخاص عديدون بضمنهم حسين الصافي[23] بحملات خبيثة واسعة لثني الصدر عن ممارساته السياسية بدعوى أنَّها كانت تضر الحوزة العلمية ورفعوا شكوى بهذا الخصوص إلى السيد الحكيم نفسه[24] كما انضمت شلة من جماعة العلماء إلى هذه الحملة وأعربوا عن عدم رضاهم لدور السيد الصدر.[25]
وكانت مقالات السيد الصدر الافتتاحية في دورية "الأضواء" من أكثر الطروحات المثيرة للجدل حيث إنَّ هذه المقالات التي كانت تحمل افتتاحية باسم "رسالتنا" تحمل دوماً مغزًى سياسياً. فقد بدأت تساؤلات أعداء السيد الصدر تنطلق من ناحية فيما أذا كانت هذه الطروحات السياسية تمثل وجهة نظر جماعة العلماء ككل أم تمثل رأي السيد الصدر نفسه. وقد ضغط السيد الحكيم من خلال ابنه السيد مهدي على السيد الصدر للتنحي عن دوره كفقيه لحزب الدعوة وعن كتابة افتتاحيته في "الأضواء".[26]
ويبدو إنَّ عاملاً آخر كان أكثر أهمية هو الذي اجبر السيد الصدر على الاستقالة ألا وهو مستقبله القيادي في المرجعية والحوزة، حيث أنَّ نوعية المناخ الديني في الحوزة لا يسمح بتسلم المرجعية العليا لمجتهد ذو نشاط سياسي، ناهيك عن إنَّ يكون عضواً في حزب سياسي. فعادة ينتخب المرجع من بين مجموعة من كبار المجتهدين الذين لهم الريادة في علمي الفقه وأصوله. وكان للسيد الصدر جدارته ومكانته في تدريس هذين العلمين في الحوزة ولسنين طويلة، وكذلك من خلال إصدار بحوثه وأفكاره الفقهية. وحيث إنَّ طريقة الصعود في سلم المرجعية تعتمد بدرجة كبيرة على مباركة المجتهدين والمدرسين الكبار في الحوزة العلمية. وعليه فإنَّ أمل السيد الصدر في الارتقاء إلى هذا الدرجة الرفيعة في الحوزة العلمية سيكون ضعيفاً جداً في حالة استمراره في عمله الحزبي المكشوف ونشاطه السياسي المعلن.
ومن ذلك الحين انصرف السيد الصدر إلى حياة الحوزة الرتيبة مخففاً بذلك نشاطه السياسي والحركي المكشوف التي قد تضر بمكانته المرجعية في المستقبل، إلى الحد الذي جعله يرجئ إصدار كتابه "مجتمعنا" الذي طال انتظاره لأنَّه وحسب مصادر مقربة أليه، لم يجد أنَّ الوقت كان سانحاً لمثل هكذا عمل.[27] وعلى الرغم من ذلك وحسب مصادر حزب الدعوة فإنَّ السيد الصدر أبقى على قنوات الاتصال بينه وبين الحزب مفتوحة وبالخصوص مع احد تلامذته.[28] وكما يعقب السيد فضل الله على ذلك بان السيد الصدر كان يبدي نصائحه ومشورته لمقربيه وزملائه حول شؤون الحزب وافتتاحية "الأضواء".[29]
ونتيجة لذلك تحول جهد السيد الصدر للتطوير في الحوزة نفسها، وأدرك ضرورة تعديل مناهج الدراسة. فحوزة النجف على سبيل المثال، كانت ومنذ مائة وخمسين عاما تركز على الفقه وأصول الفقه وذلك بسبب بروز مفكرين عظام في هذين الموضوعين في النجف مثل مرتضى الانصاري، الخراساني والنائيني، وحيث إنَّ الاجتهاد يرتكز على التمكن من موضوعي الفقه وأصوله بينما تعد المواضيع الإسلامية الباقية قليلة الأهمية وليست ذات قيمة، وبناءً على ذلك كان أساتذة الحوزة يركزون في تدريسهم على هذين الموضوعين فقط.
كذلك لم يشعر السيد الصدر بالرضا بالوضع الدراسي الأكاديمي في الحوزة وأبدى امتعاضه من انعدام مسؤولية الطلبة تجاه دروسهم وعدم انتظام دوامهم، واقترح أنَّ ينجح الطالب في دروسه المقررة ويجتاز امتحانا بهذا الشأن قبل إنَّ يعطى لقب عالم دين.[30] واقترح بإعداد كتب مقررة للطلاب للدراسات الحوزوية ليست على نمط الكتب الكلاسيكية الحالية التي لم تكن مخصصة للتدريس بأي حال من الأحوال، وإنما هي نتاجات فكرية لمؤلفيها ليس إلا. وطبقاً لرأي السيد الصدر فإنَّ الكتب المقررة يجب إنَّ يتوخى فيها مقدار استيعاب الطالب وفهمه للموضوع بطريقة متسلسلة من أسس وقواعد الموضوع إلى آخر ما استجد فيه. ولم تقتصر مقترحات السيد الصدر على الكتب المقررة وإنما تعدتها إلى طريقة الدراسة واستحداث آلية الامتحانات النوعية. فقد اقترح السيد الصدر إنَّ يؤخذ بنظام المقررات على طريقة الجامعات الغربية حيث يجتاز الطالب المواضيع المطلوبة منه من خلال نجاحه في امتحانات تحريريةً وليست شفويةً حسب ماجرت عليه العادة في الحوزة العلمية.
ومحاولة منه لتطبيق مقترحاته تلك شارك السيد الصدر وبصورة فعالة في إنشاء كلية أصول الدين في بغداد عام 1964 ووضع مناهجها بنفسه وكتب ثلاثة كتب مقررة لها في مجالات علوم القرآن، وأصول الفقه، والاقتصاد الإسلامي، لكي تدرس في السنتين الدراسيتين الأولى والثانية.[31] فمحاولاته لتطبيق إصلاحاته تلك على الحوزة قد واجهت مقاومة شديدة من كل الطلبة والمؤسسة الدينية. فعلى سبيل المثال كان المرجع السابق السيد محسن الحكيم معروفاً بمعارضته لتأسيس كلية الفقه في النجف التي قام بإنشائها الراحل الشيخ محمد رضا المظفر. كما إنَّ السيد الصدر لم يكن يزمع بتطبيق إصلاحاته في الحوزة على الدراسات المتقدمة أو ما يسمى بالبحث الخارج، وإنما كان يطمح بتطبيقها على المراحل الابتدائية من الحوزة (مرحلة المقدمات والسطوح). ويبدو إنَّ السيد الصدر كان يشارك آراء الأغلبية من مراجع ومجتهدي الشيعة بأنَّ مستوى التدريس في البحث الخارج كان متقدماً ويمثل أفضل طريقة للتحصيل العلمي على أفضل المستويات.
يمكن إنَّ تُعزى قلة نشاط السيد الصدر السياسي في منتصف الستينات إلى درجة الاستقرار المعتدلة في النظام السياسي في العراق. فقد تم تصفية الزعيم عبد الكريم قاسم اثر الانقلاب الدموي الذي جرى ضده في 8 شباط عام 1963م والذي أشعلت شرارته معارك دموية بين القوى التي كانت تسيطر على الشارع العراقي وقتذاك (الشيوعيون والقوميون العرب) ولم يكن لدى الانقلابيين الجدد الذين كان يترأسهم عبد السلام عارف والبعثيين، أيُّ وازع للرحمة واستطاعوا تصفية خصومهم من الشارع والحكومة بقسوة وبطش شديدين. وبعد تسعة اشهر من ذلك التأريخ تخلص عارف من رفاقه البعثيين وطردهم من سدة الحكم.
وقد استطاع عارف أنَّ يوظف استياء وسخط الشعب العراقي تجاه البعثيين وطرقهم التعسفية لصالح نظامه، فضلاً عن ذلك فقد حاول ألا يصطنع معارضة جديدة لنظامه.
وعلى ضوء ذلك حاول النظام العسكري أنَّ يحسن علاقاته مع الشيعة وقياداتهم بالرغم من أنَّ نسبتهم في الحكومة الجديدة كانت ضئيلة جدا، وبقي السنة وهم الأقلية في المجتمع العراقي مسيطرين على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية. فضلاً عن ذلك حاول عارف، قائد الانقلاب، أنَّ يحصل على مباركة المؤسسة الدينية الشيعية لنظام حكمه فقام بزيارة آية الله الحكيم، ولكن الأخير خيَّب آماله بالتعاون وإعطاء الشرعية، على الرغم من إنَّ النظام العارفي الجديد قدم خدمة جليلة من خلال تصفية عدوين لدودين للمرجعية الدينية والحركة الإسلامية ألا وهما البعثيون والشيوعيون. وعلى أيّ حال فقد بقيت العلاقات بين السيد الحكيم والأخوين (عبد السلام وعبد الرحمن عارف) ودية نوعاً ما طيلة فترة حكمهما.[32]
تعدُّ المدة المحصورة بين سنتي 1964-1968 الفترة الذهبية في عمر الحركة الإسلامية الشيعية الحديثة [33] حيث خلت من عمليات البطش والإرهاب التي كانت تمارسها الحكومات المتعاقبة على الحكم في العراق وازداد أعضاء حزب الدعوة، وخصوصاً في الجامعات وبين طبقة المفكرين والمثقفين وحسب مصادر حزب الدعوة كانت توزع أكثر من 1500 نسخة من صحيفة الحزب السرية، "صوت الدعوة"، على الأعضاء والمناصرين في جامعة بغداد وحدها. وكان الطلبة من الحركة الإسلامية يقومون بتنظيم مسيرات تدعى "مواكب الطلبة" في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام معبرين عن تضامنهم للحزب. وفي الوقت نفسه وسع السيد الحكيم من نفوذه بزيادة نسبة الطلبة العرب المسجلين في الحوزة سنوياً.
في هذا البيئة ذات الهدوء السياسي النسبي، أرادت المرجعية بوضع خطة لتأسيس جامعة الكوفة التي يؤمل إنَّ تقوم بتأهيل الشباب الشيعة في الخبرات العلمية والدينية لإعدادهم في إدارة الشؤون المدنية والسياسية للمجتمع بعد تخرجهم. كما وتم فتح مراكز دينية ومكتبات عامة في العديد من المدن العراقية والتي اشرف عليها ممثلون ووكلاء عن المرجعية الدينية. وقام جماعة من علماء الدين في الكاظمية (إحدى ضواحي العاصمة بغداد) بتأسيس جماعة لهم تماثل جماعة علماء النجف أطلقوا عليها علماء بغداد والكاظمية[34] .في تلك الفترة كان السيد الصدر يعمل على جبهتين، في الأولى كان يهيء نفسه للمرجعية على المستقبل البعيد،[35] بينما على الجبهة الثانية كان تأثيره يتزايد على مرجعية السيد الحكيم وعلى مجمل قرارات حزب الدعوة. وفي تلك الفترة بدأ السيد الصدر بتركيز موقعه العلمي في الحوزة من خلال إعطاء دروس منتظمة على الطريقة التقليدية في الفقه والأصول لطلبة البحث الخارج.[36] وخلال تلك الفترة تخرج الكثير من طلبته من مختلف البلدان الذين روجوا لمكانة السيد الصدر العلمية في مناطقهم. وهذا ما وسع من شهرة السيد الصدر وازدادت شعبيته بصورة أكبر من ذي قبل في الأوساط الدينية والأمة بصورة عامة، وهو أمر ضروري لتولي الصفة المرجعية إذا أراد لفتواه بالانتشار والتأثير على الوسط الشيعي. كما وأصبح السيد الصدر من أبرز مستشاري السيد الحكيم في الشؤون السياسية والاجتماعية مع العلم أنَّه محسوب على مرجعية السيد الخوئي. ففي كثير من الأحيان كان السيد الصدر هو الذي يكتب مسودة خطابات وبيانات السيد الحكيم حول الأحداث السياسية والتي كان يزمع إلقاءها أحد وكلائه في تجمعات جماهيرية بإسمه.[37]
المواجهة مع حزب البعث
آذنت عودة البعثيين إلى السلطة في 17 تموز عام 1968 إلى تصعيد المواجهة بينهم وبين القيادة الشيعية إلى مستويات أعلى. ويتذكر حكام البعث جيدا الموقف السلبي الذي اتخذه تجاههم قادة الحركة الإسلامية الشيعية عندما تمت تصفيتهم من قبل النظام العارفي اعقب انقلاب الثامن من شباط عام 1963 م. فحتى السيد الحكيم الذي أصدر فتواه المشهورة بحق الشيوعية، والتي وصفها بأنها كفر والحاد وحرم على المسلمين بالانضمام للحزب الشيوعي، لم يعطِ حزب البعث أيّ دعم يذكر عندما قادوا بتصفية كوادر وأعضاء الحزب الشيوعي عقب الانقلاب. وفي تلك الحقبة كان حزب الدعوة من أكثر الأحزاب السياسية انتشاراُ وخاصة إبان حكم عبد الرحمن عارف، وبعد سقوط حكم البعثيين الأول في عام 1963.
وعند عودتهم في سنة 1968 كان البعثيين يواجهون زعيمين شعبيين يفوقونهم مكانةً وتأثيراً في أوساط الشعب العراقي، وهما السيد محسن الحكيم والملا مصطفى البرزاني، الأول الذي يتزعم الشيعة والآخر الأكراد في شمال العراق. وأحس قادة النظام البعثي الجديد إنَّ استقرار حكمهم يعتمد بالكامل قوة الإرادة والصمود أمام هذين الثقلين المركزيين. وبما أنَّ البرزاني كان ميالاً للدخول في حوار مع النظام الحاكم لإيجاد حل للمشكلة الكردية، فقد استطاع حزب البعث ليس فقط بالتفاوض معه وإنما مع بقية الأحزاب اليسارية، وبضمنها الحزب الشيوعي والقوميين العرب، واتفقوا على تشكيل جبهة وطنية سيرها النظام وفق إرادته، ولكن لم ترغب أيّ من القيادات الدينية الشيعية والسنية، ولا أيّ من المحسوبين على مرجعية السيد الحكيم بالدخول بحوار مع نظام البعث. وقد حاول النظام وفي أكثر من مرة الطلب من السيد مهدي الحكيم (الذي كان يمثل والده السيد محسن الحكيم في بغداد منذ عام 1964) القيام بزيارة هدفها إعلامي لمقابلة الرئيس احمد حسن البكر ولكن طلبهم يواجه بالرفض في كل مرة.[38] عندها لجأ النظام البعثي إلى حملة واسعة لحل المؤسسات الدينية الشيعية منها والسنية على السواء. والواقع إنَّ النظام لم يكن له خيار آخر حيال هذه المؤسسات فهو على طرف نقيض منها. نظراً لتنامي القوة التنظيمية والاتساع الجماهيري للحركات الدينية في القطر على حساب ما يدعو له النظام السياسي من فكر قومي وعلماني. فأذا أريد لإيديولوجية النظام وفكرة السياسي من الصمود ولحكمه في البقاء فما عليه إلا أن يحشر الطرف الديني المقابل في زاوية ضيقة أو الإجهاز عليه في النهاية.
ولجأ النظام البعثي في البداية إلى إتباع سياسات راديكالية ذات تأييد جماهيري يطرب لها الشعب ويستحسنها، إلا وهي العداء للصهيونية وتحرير فلسطين ومناهضة الأنظمة التي وافقت على الحل السلمي مع إسرائيل، وإعدام الجواسيس، وتمتين العلاقات مع دول المعسكر الشرقي والدول عدم الانحياز، وتقديم يد العون للحركات الثورية في العالم الثالث، وتأميم امتيازات شركات النفط الغربية في العراق، وغيرها من السياسات البراقة ذات الصدى الإعلامي المقبول في الدول العربية.[39]
و خطا النظام في تلك الفترة أيضاً خطواته الأولى في طريقه لتقليص نفوذ المؤسسة الدينية الشيعية وذلك بإغلاقه المدارس الدينية وبالتحديد مدارس "الجوادين" الابتدائية منها والثانوية، وكذلك إغلاق كلية أصول الدين، ومصادر الأرضي والأموال المخصصة لبناء جامعة الكوفة، ومنع إصدار مجلة "رسالة الإسلام" (وهي المجلة الدينية الوحيدة في القطر التي سمحت بها الرقابة الأمنية للأنظمة العسكرية)، ومنع مواكب الطلبة (وهي الشعائر الدينية التي كان يقوم بها طلبة الجامعات في ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام)، وتسفير مئات الطلبة غير العراقيين الذين كانوا يدرسون في الحوزات العلمية، وتطبيق قانون الخدمة العسكرية الإلزامية على طلبة العراقيين في الحوزة العلمية الدينية والذين كانوا معفوين منها سابقاً.
وبالرغم من شمولية الإجراءات إلا أنها كانت محدودة الهدف ألا وهو التحديد من نشاط وفعاليات الحركة الإسلامية الشيعية التي يظهر من أنَّ قيادتها قد أخذت على حين غرة، حيث إنَّ ردود فعلها كانت غير منسقة وغير منسجمة مع طبيعة الإجراءات التي اتخذتها حكومة البعث. بعض ردود الفعل هذه كان الاجتماع الذي دعت إليه جماعة العلماء (التي تمثل جُل النشطاء والحركيين السياسيين في المؤسسة الدينية) والذي عقد في بغداد - العاصمة، للتشاور حول الإجراءات والهجمة السافرة التي تشنها الحكومة[40]، وكان من جملة قراراته هو دعوة السيد الحكيم السفر إلى بغداد وتعبئة الجماهير ضد إجراءات حكومة البعث.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الحياة السياسية للسيد الشهيد محمد باقر الصدر من 1958 إلى 1980 ـــ بقلم الدكتور طالب عزيز الحمداني
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» شهداء الجزائر الأبرار
» كابيللو مهدد بالإقالة من تدريب إنجلترا في حال تكررت كارثة مونديال 1958
» أعمار أشهر الفنانين
» شارلي شابلن
» كلمات اغنية وردة الجزائرية حياتي بتحلو.

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الممهدون في طوزخورماتو :: ۩۞۩ منتديات علماء آل الصدر (قدس الله اسرارهم ) ۩۞۩ :: منتدى الصدر الأول وبنت الهدى-
انتقل الى: